محمد حسين علي الصغير
58
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) « 1 » . فقد حملها على الإرادة المجازية في النظر العقلي ، ناظرا التركيب الجملي دون اللفظ المفرد في الآية فقال : « أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز فكأنه قال : وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون » « 2 » . والزمخشري هنا يعلل هذا الحمل المجازي ، بصحة ما اعتمدوا عليه في دينهم ببيت العنكبوت ، وإذا كان أوهن البيوت هو بيت العنكبوت ، فقد ثبت أن دينهم الذي يعتنقونه هو أوهن الأديان ، وأعجزها ، فعلق حمل الآية مجازيا على قضية منطقية قياسية ذات طرفين : صغروي وكبروي ، ومن ثم كانت النتيجة : أن أوهن الأديان هو دينهم ، ولكنه تعالى عبر عنه تعبيرا مجازيا : أن أوهن البيوت لبيت العنكبوت . وهو استخراج دقيق فيما أحسب « 3 » . 5 - والحق أن انتشار المجاز العقلي في القرآن يوحي بأصالة استعماله البلاغي في نص هو أرقى النصوص العربية على الإطلاق ، ولما كان هذا المجاز إنما يعرف باعتبار طرفيه وهما المسند والمسند إليه ، لأنه يكون في الجملة ويقع في التركيب كما أسلفنا ، ولا علاقة له باللفظ المفرد كالاستعارة ، ولا الكلمة الواحدة كالمجاز المرسل ، فإن هذين الطرفين لهما صيغ مختلفة تحدد بما يأتي : أ - الطرفان حقيقتان ، ولا علاقة لهما بالمجاز إلا بضم بعضهما إلى البعض الآخر ، كقوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) « 4 » فإن الإخراج حقيقي ، والأرض حقيقية ، ولا مجاز بهما ، ولكن المجاز مستنبط من اقترانهما .
--> ( 1 ) العنكبوت : 41 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 455 . ( 3 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 158 . ( 4 ) الزلزلة : 2 .